
في عالمٍ باتت فيه كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، وأقرب إلى صناعة مالية ضخمة، خرج خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني، بتصريحات نارية أعادت فتح ملفات شائكة حول النزاهة المالية، والعدالة التنافسية، والحدود الأخلاقية للاستثمار في الرياضة. تيباس، المعروف بصراحته وجرأته، اتهم مانشستر سيتي بـ”الغش المالي”، وأشار إلى أن باريس سان جيرمان “يتكبد خسائر ضخمة”، في تصريحات أثارت عاصفة من الجدل، وطرحت تساؤلات عميقة حول مستقبل اللعبة في ظل هيمنة المال.
تيباس.. صوت الليغا في وجه المال غير المنضبط
منذ توليه رئاسة رابطة الليغا، لم يتردد تيباس في انتقاد الأندية التي يرى أنها تتجاوز الحدود المالية المقبولة، خاصة تلك المدعومة من دول أو صناديق سيادية. الرجل الذي قاد إصلاحات مالية صارمة في الدوري الإسباني، مثل سقف الرواتب والرقابة على الإنفاق، يرى أن المنافسة يجب أن تكون عادلة، وأن “المال لا يجب أن يشتري كل شيء”.
في تصريحاته الأخيرة، قال تيباس: “مانشستر سيتي يغش ماليًا، وباريس سان جيرمان يتكبد خسائر ضخمة، لكن لا أحد يحاسبهم. هذا يضر بكرة القدم الأوروبية”. هذه الكلمات لم تكن مجرد رأي، بل اتهام مباشر، يحمل في طياته دعوة للتحقيق والمساءلة.
مانشستر سيتي.. بين الإنجازات والاتهامات
مانشستر سيتي، بطل أوروبا ومهيمن على الكرة الإنجليزية في السنوات الأخيرة، يعيش في قمة المجد الرياضي، لكنه في الوقت ذاته يواجه اتهامات متكررة تتعلق بخرق قواعد اللعب المالي النظيف. الاتحاد الإنجليزي وجه للنادي أكثر من 100 تهمة تتعلق بانتهاك القواعد المالية بين عامي 2009 و2018، وهي قضايا لا تزال قيد التحقيق.
النادي، المدعوم من مجموعة أبوظبي المتحدة، ينفي هذه الاتهامات، ويؤكد أن عملياته المالية قانونية وشفافة. لكن تيباس يرى أن “الأرقام لا تتطابق”، وأن “السيتي يضخم إيراداته التجارية بشكل غير منطقي”، في إشارة إلى عقود الرعاية التي يعتبرها “مبالغًا فيها وغير واقعية”.
باريس سان جيرمان.. نزيف مالي رغم النجوم
أما باريس سان جيرمان، فالوضع مختلف شكليًا، لكنه مشابه جوهريًا. النادي الفرنسي، المدعوم من هيئة قطر للاستثمار، أنفق ببذخ في السنوات الأخيرة، وجلب أسماء مثل نيمار، مبابي، وميسي، لكنه رغم ذلك لم يحقق النجاح الأوروبي المنتظر، ويواجه تحديات مالية كبيرة.
تيباس قال إن “سان جيرمان يتكبد خسائر ضخمة، ولا أحد يسأله كيف يغطيها”، في إشارة إلى ما يعتبره “غيابًا للرقابة المالية الحقيقية”. النادي الفرنسي سجل خسائر تجاوزت 300 مليون يورو في موسم واحد، وفقًا لتقارير مالية، وهو رقم يثير القلق في ظل قواعد اللعب المالي النظيف التي تفرض حدودًا على العجز المالي.
اللعب المالي النظيف.. قواعد على الورق؟
قواعد اللعب المالي النظيف، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) عام 2011، تهدف إلى منع الأندية من الإنفاق أكثر مما تكسب، وضمان استدامة مالية طويلة الأمد. لكن تطبيق هذه القواعد ظل محل جدل، خاصة مع ظهور أندية مدعومة من دول، تملك قدرة غير محدودة على الإنفاق، وتبرم عقود رعاية ضخمة مع جهات مرتبطة بها.
تيباس يرى أن هذه القواعد “لا تُطبق بعدالة”، وأن “الأندية الإسبانية تُحاسب على كل يورو، بينما يُسمح لأندية أخرى بتجاوز الحدود دون عقاب”. هذا التفاوت، بحسب رأيه، يضر بالتنافسية، ويخلق خللاً في ميزان القوى الأوروبي.
ردود الأفعال.. بين الدفاع والهجوم
تصريحات تيباس أثارت ردود فعل متباينة. البعض اعتبرها “شجاعة”، و”ضرورية لحماية اللعبة”، بينما رأى آخرون أنها “هجوم سياسي”، و”محاولة لتشتيت الانتباه عن مشاكل الليغا الداخلية”. في إنجلترا، لم يصدر رد رسمي من مانشستر سيتي، لكن وسائل إعلام مقربة من النادي وصفت التصريحات بأنها “غير مسؤولة”، و”تفتقر إلى الأدلة”.
أما في فرنسا، فقد تجاهل باريس سان جيرمان التصريحات، واكتفى بالتركيز على مشاريعه الرياضية، مثل تطوير أكاديمية الشباب، وتوسيع قاعدة الجماهير عالميًا.
الأندية الإسبانية.. بين الانضباط والضغط
الأندية الإسبانية، وعلى رأسها برشلونة وريال مدريد، تعيش تحت ضغط مالي كبير، بسبب القيود الصارمة التي تفرضها رابطة الليغا. برشلونة، على سبيل المثال، اضطر إلى بيع أصول إعلامية ورياضية لتسجيل لاعبيه، بينما يواجه ريال مدريد تحديات في تمويل مشروع “سانتياغو برنابيو الجديد”.
تيباس يرى أن “الانضباط المالي هو الطريق الوحيد للاستدامة”، لكنه يواجه انتقادات من بعض الأندية التي ترى أن القيود تعرقل النمو، وتضعها في موقف ضعيف أمام المنافسين الأوروبيين.
هل تنهار منظومة المال في كرة القدم؟
السؤال الأكبر الذي تطرحه تصريحات تيباس هو: هل تنهار منظومة المال في كرة القدم؟ هل نعيش مرحلة انفلات مالي، تقود إلى فقدان التوازن، وتحول اللعبة إلى ساحة استثمارات بلا ضوابط؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تعتمد على قدرة المؤسسات الرياضية على فرض الرقابة، وتطبيق القواعد بعدالة، ومحاسبة الجميع دون استثناء. كرة القدم تحتاج إلى توازن بين الاستثمار والعدالة، بين الطموح والاستدامة، وبين الحلم والواقع.
الجماهير.. بين الانبهار والقلق
جماهير كرة القدم تعيش حالة من الانبهار بالنجوم، والألقاب، والملاعب الفاخرة، لكنها في الوقت ذاته تشعر بالقلق من تحول اللعبة إلى سوق مفتوح، تُشترى فيه البطولات، وتُباع فيه القيم. تصريحات تيباس لامست هذا القلق، وطرحت أسئلة عميقة حول مستقبل اللعبة، وهوية الأندية، ومكانة الجماهير في معادلة المال.
خاتمة
تيباس لم يطلق مجرد تصريحات، بل ألقى حجرًا في مياه راكدة، وأعاد فتح نقاش جوهري حول العدالة المالية في كرة القدم. وبين اتهام السيتي بالغش، وتحذير سان جيرمان من النزيف، تبرز الحاجة إلى إصلاحات حقيقية، تضمن أن تبقى اللعبة عادلة، وأن تبقى المنافسة نزيهة، وأن يبقى الشغف هو المحرك الأول، لا المال وحده.
