
في توقيت حساس من الموسم، وبين ضغط المباريات وتراكم الإصابات، تلقى ريال مدريد نبأً سارًا أعاد بعضًا من الطمأنينة إلى أروقة “فالديبيباس”، بينما في الشمال، وتحديدًا في إقليم الباسك، يراقب تشابي ألونسو المشهد عن كثب، منتظرًا اللحظة المناسبة لإراحة نجمه الذي بات محورًا لا غنى عنه في مشروعه الصاعد مع باير ليفركوزن.
المشهد يبدو متناقضًا: في مدريد، فرحة بعودة أحد الركائز، وفي ليفركوزن، قلق من الإرهاق الذي بدأ يتسلل إلى جسد نجم الفريق. لكن في العمق، كلا المدربين يواجهان تحديًا مشتركًا: كيف تحافظ على نسق الفريق دون التضحية بالنجوم؟ وكيف توازن بين الطموح والواقعية في موسم لا يرحم؟
نبأ سار في مدريد: عودة ميليتاو تعيد التوازن الدفاعي
بعد غياب دام أكثر من 8 أشهر بسبب إصابة في الرباط الصليبي، عاد المدافع البرازيلي إيدير ميليتاو إلى تدريبات ريال مدريد، في نبأ وصفته الصحف الإسبانية بأنه “أكثر من مجرد عودة”، بل “استعادة لروح الدفاع الملكي”. ميليتاو، الذي يُعد أحد أعمدة الخط الخلفي، غاب عن معظم مباريات الموسم الماضي، ما اضطر أنشيلوتي للاعتماد على ناتشو وروديغر في قلب الدفاع.
عودة ميليتاو تمنح أنشيلوتي خيارات أوسع، وتعيد التوازن إلى منظومة دفاعية كانت تعاني من التذبذب، خاصة في المباريات الكبرى. اللاعب البرازيلي يتميز بالسرعة، والصلابة، والقدرة على قراءة اللعب، وهو ما افتقده الفريق في لحظات حرجة، أبرزها أمام مانشستر سيتي في دوري الأبطال.
المدرب الإيطالي عبّر عن سعادته بعودة ميليتاو، لكنه أكد أنه “لن يتسرع في إشراكه”، مشيرًا إلى أن “اللاعب يحتاج إلى وقت لاستعادة الإيقاع”، وهو ما يعكس حرص الإدارة الفنية على عدم المجازفة، رغم الحاجة الملحة إلى خدماته.
أنشيلوتي.. بين التدوير والواقعية
عودة ميليتاو تفتح الباب أمام أنشيلوتي لتطبيق سياسة تدوير أكثر مرونة، خاصة في ظل ضغط المباريات، وتعدد البطولات. المدرب الإيطالي، المعروف بواقعيته، يدرك أن الحفاظ على جاهزية اللاعبين أهم من تحقيق انتصارات مؤقتة، وأن الموسم يُكسب بالاستمرارية، لا بالاندفاع.
التدوير قد يشمل أيضًا خط الوسط، حيث بدأ الإرهاق يظهر على مودريتش وكروس، بينما يواصل بيلينغهام وكامافينغا التألق. أنشيلوتي يملك الآن فرصة لإعادة توزيع الأدوار، ومنح الفرصة للاعبين مثل تشواميني وسيبايوس، دون أن يفقد التوازن.
ألونسو يترقب: هل حان وقت إراحة فيرتز؟
في الطرف الآخر من القارة، وتحديدًا في ألمانيا، يعيش تشابي ألونسو حالة من الترقب. مدرب باير ليفركوزن، الذي يقود مشروعًا طموحًا، يواجه تحديًا جديدًا: كيف يتعامل مع إرهاق فلوريان فيرتز، نجم الفريق وصانع ألعابه الأول، الذي خاض معظم دقائق الموسم دون راحة تُذكر؟
فيرتز، الذي يُعد أحد أبرز المواهب الألمانية، بات القلب النابض لليفركوزن، وصاحب الحلول في المباريات المعقدة. لكن كثافة المشاركات بدأت تؤثر على مستواه البدني، وهو ما دفع ألونسو للتفكير في منحه راحة مؤقتة، خاصة قبل مواجهات حاسمة في الدوري والدوري الأوروبي.
المدرب الإسباني قال في تصريح مقتضب: “نحن نراقب حالة فيرتز يومًا بيوم، وسنتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب”، وهو تصريح يحمل بين سطوره قلقًا مشروعًا، ورغبة في الحفاظ على نجم الفريق دون التضحية بنتائج المشروع.
ألونسو.. فلسفة التوازن بين الشباب والخبرة
تشابي ألونسو، الذي يُعد من أبرز المدربين الصاعدين في أوروبا، يعتمد على فلسفة تقوم على المزج بين المواهب الشابة والخبرة التكتيكية. فيرتز، إلى جانب تشاكا وبونيفيس، يشكلون ثلاثيًا هجوميًا متنوعًا، يمنح الفريق مرونة في التحولات، وقدرة على السيطرة على وسط الملعب.
لكن ألونسو يدرك أن الموسم طويل، وأن الحفاظ على جاهزية اللاعبين أهم من الضغط لتحقيق نتائج سريعة. إراحة فيرتز، ولو لمباراة أو اثنتين، قد تكون خطوة ذكية، تمنحه فرصة لاستعادة الحيوية، وتمنح الفريق فرصة لاختبار بدائل تكتيكية.
ريال مدريد وليفركوزن.. تقاطع في الرؤية رغم اختلاف السياق
ورغم اختلاف السياق بين ريال مدريد، الفريق العريق صاحب البطولات، وليفركوزن، المشروع الصاعد الباحث عن المجد، فإن الرؤية الفنية تبدو متقاربة: كلا المدربين يراهن على التوازن، ويحرص على حماية لاعبيه، ويؤمن بأن الاستمرارية أهم من الاندفاع.
أنشيلوتي وألونسو، رغم فارق الخبرة، يتشاركان في فلسفة تقوم على احترام التفاصيل، والبحث عن الحلول داخل الملعب، لا خارجه. كلاهما يدرك أن النجوم هم أدوات النجاح، لكن الحفاظ عليهم هو مفتاح الاستمرارية.
الجماهير.. بين الحماس والقلق
جماهير ريال مدريد استقبلت نبأ عودة ميليتاو بفرح كبير، خاصة بعد المعاناة الدفاعية في بعض المباريات. أما جماهير ليفركوزن، فهي تعيش حالة من القلق، خشية أن تؤثر إصابة محتملة لفيرتز على مسيرة الفريق، الذي ينافس بقوة على لقب البوندسليغا.
على مواقع التواصل، انتشرت تعليقات تشيد بحكمة أنشيلوتي، وتدعو ألونسو إلى اتخاذ قرار سريع بشأن فيرتز، حتى لا تتكرر سيناريوهات الإصابات التي أفسدت مواسم سابقة.
الإعلام.. إشادة وتحليل
الصحف الإسبانية وصفت عودة ميليتاو بأنها “دفعة معنوية قبل الكلاسيكو”، بينما ركزت الصحف الألمانية على حالة فيرتز، واعتبرتها “اختبارًا لذكاء ألونسو التكتيكي”. التحليلات ركزت على أهمية التدوير، وعلى قدرة المدربين على اتخاذ قرارات صعبة في توقيت حساس.
الخبراء أشاروا إلى أن الموسم الحالي قد يشهد تحولات كبيرة، وأن الفرق التي تنجح في إدارة طاقمها الفني والبدني هي من ستصل إلى خط النهاية بأقل خسائر.
خاتمة
بين نبأ سار في مدريد، وترقب في ليفركوزن، تتقاطع خيوط القصة الكروية في أوروبا. أنشيلوتي يستعيد أحد أعمدته، وألونسو يواجه اختبارًا في إدارة نجمه. وفي زمنٍ باتت فيه التفاصيل تصنع الفارق، تبقى الحكمة في التوقيت، والجرأة في القرار، هما مفتاح النجاح.
وما بين صلابة ميليتاو، وذكاء فيرتز، تكتب فصول جديدة في رواية الموسم، حيث لا مكان للراحة، ولا مجال للخطأ، وكل قرار قد يكون بداية لانتصار… أو بداية لانهيار.
