
في زمنٍ باتت فيه المنتخبات الكبرى تبحث عن التوازن بين الخبرة والطموح، وبين الماضي المجيد والمستقبل الواعد، قرر ديدييه ديشان، مدرب المنتخب الفرنسي، أن يفتح الباب أمام وجه جديد في قائمته، في محاولة لحل أزمة فنية بدأت تلوح في الأفق منذ نهاية كأس العالم الأخيرة. القرار لم يكن مجرد اختيار لاعب شاب، بل خطوة استراتيجية تعكس قلقًا داخليًا، ورغبة في إعادة تشكيل هوية “الديوك” قبل أن تتآكل بفعل الرتابة والتكرار.
الوجه الجديد الذي اقتحم القائمة هو لاعب وسط نادي نيس، كيهفرين تورام، نجل الأسطورة ليليان تورام، وأحد أبرز المواهب الصاعدة في الدوري الفرنسي. اختياره جاء في توقيت حساس، وسط انتقادات متزايدة لأداء المنتخب، وتراجع في جودة اللعب الجماعي، وغياب الحلول في بعض المراكز الحيوية.
أزمة ديشان.. بين الثبات والتجديد
منذ توليه قيادة المنتخب الفرنسي عام 2012، اعتمد ديشان على فلسفة تقوم على الانضباط التكتيكي، والاعتماد على عناصر مجربة، حتى لو كانت أقل تألقًا من الناحية الفردية. هذه الفلسفة أثمرت عن لقب كأس العالم 2018، ونهائي يورو 2016، لكنها بدأت تفقد بريقها في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الخروج المفاجئ من يورو 2020، ثم الأداء المتذبذب في مونديال قطر رغم الوصول إلى النهائي.
الانتقادات طالت اختيارات ديشان، التي بدت في كثير من الأحيان محافظة، تفتقر إلى الجرأة في منح الفرصة للمواهب الجديدة، رغم وفرتها في فرنسا. ومع تقدم بعض الركائز في السن، مثل غريزمان وكانتي، وغياب الاستمرارية عن آخرين مثل بوغبا، بات من الضروري ضخ دماء جديدة تعيد الحيوية إلى وسط الملعب.
كيهفرين تورام.. موهبة تحمل إرثًا وتبني مستقبلًا
كيهفرين تورام، البالغ من العمر 24 عامًا، هو لاعب وسط متعدد المهام، يجمع بين القوة البدنية، والقدرة على التمرير، والوعي التكتيكي. تألقه مع نيس في الموسمين الأخيرين جعله محط أنظار العديد من الأندية الأوروبية، لكنه اختار البقاء في فرنسا، لتثبيت أقدامه وتطوير مستواه.
تورام لا يحمل فقط اسمًا كبيرًا، بل يمتلك شخصية مستقلة، وأسلوب لعب مختلف عن والده المدافع الأسطوري. هو لاعب وسط عصري، يجيد التحرك بين الخطوط، ويملك قدرة على كسر الضغط، وصناعة اللعب من العمق، وهي صفات افتقدها المنتخب الفرنسي في بعض المباريات الحاسمة.
اختياره من قبل ديشان لم يكن مجاملة، بل نتيجة متابعة دقيقة، ورغبة في إيجاد حل لأزمة الوسط، التي باتت تؤثر على جودة الأداء، وتقلل من فعالية الهجوم، رغم وجود أسماء مثل مبابي وكولو مواني.
الوسط الفرنسي.. فجوة تبحث عن سد
منذ رحيل بوغبا عن المشهد بسبب الإصابات، وتراجع مستوى رابيو، بات وسط فرنسا يعاني من غياب اللاعب الذي يربط بين الدفاع والهجوم، ويمنح الفريق التوازن المطلوب. ديشان حاول الاعتماد على تشواميني وكامافينغا، لكنهما لا يملكان بعد الخبرة الكافية، ولا القدرة على قيادة الإيقاع في المباريات الكبرى.
تورام قد يكون الحل، ليس فقط من الناحية الفنية، بل من حيث الشخصية القيادية، والقدرة على التأقلم مع أساليب لعب مختلفة. وجوده يمنح ديشان خيارًا جديدًا، ويعيد تشكيل ثلاثي الوسط بطريقة أكثر مرونة، تسمح بالتحول بين 4-3-3 و4-2-3-1 حسب طبيعة الخصم.
ديشان.. هل يتخلى عن تحفظه؟
السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: هل يملك ديشان الجرأة لمنح تورام فرصة حقيقية؟ أم أن الاختيار مجرد خطوة رمزية لتهدئة الانتقادات؟ التاريخ يقول إن ديشان لا يمنح الفرص بسهولة، لكنه في الوقت ذاته يعرف متى يتخذ قرارات حاسمة، كما فعل سابقًا مع مبابي، حين دفع به في سن الـ18 في كأس العالم.
تورام قد يحصل على دقائق محدودة في البداية، لكن إذا أثبت نفسه، فقد يصبح عنصرًا أساسيًا في مشروع ديشان الجديد، خاصة مع اقتراب يورو 2026، الذي سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة المدرب على إعادة بناء الفريق.
الجماهير.. بين الحماس والشك
الجماهير الفرنسية، التي اعتادت على رؤية أسماء كبيرة في القائمة، استقبلت خبر انضمام تورام بحماس مشوب بالحذر. البعض يرى فيه امتدادًا لإرث والده، والبعض الآخر يطالب بعدم تحميله أكثر من طاقته، وتركه يتطور بهدوء.
على مواقع التواصل، انتشرت صور لتورام بقميص المنتخب، وتعليقات تشيد بموهبته، وتدعو ديشان إلى منحه فرصة حقيقية، بعيدًا عن الحسابات التقليدية التي قد تعرقل صعوده.
الإعلام.. إشادة وتحليل
الصحف الفرنسية تناولت اختيار تورام من زوايا مختلفة. صحيفة “ليكيب” اعتبرت أن “تورام هو اللاعب الذي يحتاجه ديشان لإعادة التوازن”، بينما قالت “لو باريزيان” إن “الاختيار يعكس تحولًا في عقلية المدرب، نحو منح الفرصة للمواهب الصاعدة”.
التحليلات ركزت على الجانب التكتيكي، وعلى قدرة تورام على لعب دور “الريجيستا”، أي اللاعب الذي يبدأ الهجمة من الخلف، ويمنح الفريق السيطرة على وسط الملعب، وهو الدور الذي افتقده المنتخب منذ تراجع بوغبا.
المنافسة في الوسط.. فرصة لإثبات الذات
تورام لن يكون وحده في وسط الملعب، بل سيواجه منافسة من أسماء مثل تشواميني، كامافينغا، فوفانا، ورابيو. هذه المنافسة قد تكون محفزة، وتدفعه لتقديم أفضل ما لديه، خاصة في ظل ضغط المباريات، والحاجة إلى تدوير التشكيلة.
ديشان سيختبر تورام في مباريات ودية أولًا، قبل اتخاذ قرار بشأن مشاركته في التصفيات، وهو ما يمنح اللاعب فرصة للتأقلم، وإثبات قدرته على اللعب في أعلى مستوى.
خاتمة
اختيار كيهفرين تورام في قائمة فرنسا ليس مجرد إضافة رقمية، بل خطوة تحمل دلالات فنية وثقافية. ديشان، الذي يبحث عن حل لأزمة الوسط، وجد في تورام مزيجًا من الموهبة والإرث، ومن الحماس والانضباط. وإذا ما حصل على الفرصة الحقيقية، فقد يكون تورام هو القطعة الناقصة في لوحة “الديوك”، التي تسعى لاستعادة بريقها، وتجاوز مرحلة التذبذب.
وفي زمنٍ تتغير فيه كرة القدم بسرعة، تبقى الجرأة في منح الفرصة للمواهب الشابة هي الطريق نحو المستقبل، وديشان أمام اختبار جديد: هل يراهن على الدم الجديد؟ أم يعود إلى دائرة الأسماء المألوفة؟
