
في مدينةٍ اعتادت أن تكون كرة القدم فيها أكثر من مجرد رياضة، جاء إعلان نادي برشلونة بتأجيل العودة إلى ملعب “كامب نو” بمثابة صفعة عاطفية لجماهيره، التي كانت تنتظر لحظة العودة كما ينتظر العاشق لقاء محبوبه بعد فراقٍ طويل. القرار الرسمي الذي صدر عن إدارة النادي، والذي يقضي بتمديد فترة اللعب في ملعب “مونتجويك” حتى موسم 2025-2026، فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مستقبل المشروع، وتداعياته على الهوية الكتالونية، والروح التي لطالما ارتبطت بجدران “كامب نو”.
الحلم المؤجل.. من التجديد إلى التمديد
في مايو 2023، بدأ نادي برشلونة مشروعًا طموحًا لإعادة بناء ملعب “كامب نو” ضمن خطة “إسباي بارسا”، التي تهدف إلى تحويل الملعب التاريخي إلى مجمع رياضي حديث يتسع لأكثر من 105 آلاف متفرج، ويضم مرافق تجارية وسياحية متكاملة. المشروع كان من المفترض أن يُنجز في صيف 2024، ليعود الفريق إلى ملعبه في موسم 2024-2025، لكن الرياح لم تجرِ بما اشتهت السفن.
الإعلان الرسمي عن تأجيل العودة جاء نتيجة “تأخر في الأعمال الإنشائية”، وفقًا لما صرحت به الإدارة، التي أكدت أن العودة ستتم في موسم 2025-2026، مع افتتاح جزئي للمدرجات، على أن تكتمل الأعمال في صيف 2026.
مونتجويك.. ملعب مؤقت بروح غريبة
منذ بداية موسم 2023-2024، يخوض برشلونة مبارياته على ملعب “لويس كومبانيس” في مونتجويك، وهو ملعب أولمبي يقع على تلة تطل على المدينة، ويبعد عن كامب نو قرابة 5 كيلومترات. ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الإدارة لتكييف الملعب مع متطلبات الفريق والجماهير، إلا أن الشعور بالغربة ظل حاضرًا.
الملعب يتسع لـ 55 ألف متفرج فقط، أي نصف سعة كامب نو، كما أن الوصول إليه يتطلب مجهودًا لوجستيًا أكبر، خاصة في ظل محدودية وسائل النقل العام المؤدية إليه. جماهير برشلونة، التي اعتادت على أجواء كامب نو، وجدت نفسها أمام تجربة مختلفة، أقل حميمية، وأقل صخبًا.
التأثير المالي.. خسائر مؤقتة أم استثمار طويل؟
من الناحية المالية، تأجيل العودة إلى كامب نو يعني استمرار انخفاض الإيرادات المرتبطة بالمباريات، مثل التذاكر، والمبيعات، والجولات السياحية. إدارة برشلونة كانت قد توقعت خسارة تصل إلى 90 مليون يورو سنويًا بسبب اللعب خارج كامب نو، وهو رقم مرشح للزيادة مع تمديد فترة الغربة.
لكن في المقابل، ترى الإدارة أن المشروع سيعود بفوائد ضخمة على المدى الطويل، حيث سيصبح كامب نو أكبر ملعب في أوروبا، وأكثرهم تطورًا، مما سيعزز من مكانة النادي التجارية، ويجذب المزيد من الرعاة والجماهير.
التأثير الفني.. هل يؤثر الغياب على أداء الفريق؟
من الناحية الفنية، لا يمكن تجاهل تأثير اللعب خارج الأرض على أداء الفريق. كامب نو كان دائمًا حصنًا منيعًا، وملعبًا يفرض هيبة برشلونة على الخصوم. في مونتجويك، تغيرت المعادلة. الفريق فقد بعضًا من زخمه، والجماهير لم تعد بنفس الكثافة، مما أثر على الأجواء العامة للمباريات.
تشافي هيرنانديز، مدرب الفريق، حاول مرارًا التقليل من تأثير الغربة، مؤكدًا أن اللاعبين يتأقلمون تدريجيًا، وأن التركيز يجب أن يكون على الأداء داخل الملعب، لا خارجه. لكن الأرقام لا تكذب: نسبة الانتصارات في مونتجويك أقل من تلك التي كانت في كامب نو، وعدد الأهداف المسجلة انخفض بشكل ملحوظ.
الجماهير.. بين الحنين والصبر
جماهير برشلونة، التي تعتبر كامب نو جزءًا من هويتها، تعيش حالة من الحنين الممزوج بالصبر. البعض يرى أن المشروع يستحق الانتظار، وأن التضحية المؤقتة ستثمر مستقبلًا أكثر إشراقًا. آخرون يشعرون أن الإدارة لم تكن شفافة بما يكفي، وأن التأجيل يعكس سوء تخطيط أو تعقيدات لم تُكشف بعد.
المدرجات في مونتجويك لا تزال تحتضن الأعلام الكتالونية، والهتافات التي تمجد “البلوغرانا”، لكن النبرة تغيرت، وأصبح الحلم بالعودة إلى كامب نو هو المحرك الأساسي للمشاعر.
كامب نو.. أكثر من ملعب
كامب نو ليس مجرد منشأة رياضية، بل رمز ثقافي وتاريخي. منذ افتتاحه عام 1957، شهد الملعب لحظات تاريخية لا تُنسى: أهداف مارادونا، سحر رونالدينيو، دموع ميسي، وأهازيج الجماهير التي كانت تملأ السماء. الملعب كان شاهدًا على تحولات سياسية واجتماعية في كتالونيا، وكان دائمًا منبرًا للتعبير عن الهوية الكتالونية.
تأجيل العودة إلى كامب نو، إذًا، لا يعني فقط تأخيرًا في جدول أعمال، بل امتدادًا لفترة الغربة عن الروح، عن التاريخ، وعن المكان الذي يُشعر الجماهير بأنهم في بيتهم.
الإدارة.. بين الطموح والضغط
خوان لابورتا، رئيس النادي، يقود المشروع بشغف كبير، ويرى فيه خطوة ضرورية لإعادة برشلونة إلى قمة كرة القدم الأوروبية. لكن الضغوط تتزايد، خاصة مع التحديات المالية، والانتقادات التي تطال أداء الفريق، والتأخير في تنفيذ المشروع.
الإدارة مطالبة الآن بمزيد من الشفافية، ومزيد من التواصل مع الجماهير، لتوضيح أسباب التأجيل، وخطط التعويض، وضمان أن المشروع يسير وفق رؤية واضحة.
المستقبل.. هل يستحق الانتظار؟
مع اكتمال المشروع، سيكون كامب نو تحفة معمارية ورياضية، وسيمنح برشلونة منصة جديدة للتميز. لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون: هل يستحق الأمر كل هذا الانتظار؟ وهل سيحافظ الفريق على مستواه خلال فترة الغربة؟ وهل ستعود الجماهير بنفس الحماس؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تعتمد على قدرة النادي على إدارة المرحلة الانتقالية بذكاء، وعلى صبر الجماهير، وعلى نجاح المشروع في تحقيق أهدافه.
خاتمة
برشلونة يعيش مرحلة انتقالية، بين ماضٍ مجيد ومستقبل واعد. تأجيل العودة إلى كامب نو قد يكون مؤلمًا، لكنه جزء من رحلة أكبر نحو بناء نادٍ أكثر قوة، وأكثر تأثيرًا. وبينما يواصل الفريق اللعب في مونتجويك، تظل أعين الجماهير معلقة على جدران كامب نو، تنتظر لحظة العودة، وتؤمن أن البيت، مهما طال الغياب، سيظل بيتًا.
